كلمة السفير الألماني بمناسبة الاحتفال بعيد الوحدة الألمانية



كلمة السفير الألماني بمناسبة الاحتفال بعيد الوحدة الألمانية
يوم الاثنين الموافق ١٠ أكتوبر ٢٠١٦
_________________


أصحاب المعالي والسعادة ،
بني وطني الكرام ،
السيدات والسادة  الأفاضل ،
الضيوف الكرام ،

أشكركم على مشاركتنا حفل الليلة ، وأود أنا وزوجتي أن نعبر عن سعادتنا باستقبالكم في منزلنا الواقع في قلب جزيرة الزمالك المحببة إلى قلوبنا ، لكى نحتفل معا بعيدنا القومي والذكري السادسة والعشرين للوحدة الألمانية التي تحققت عام ١٩٩٠.

من يتابع الأخبار ، كما نفعل نحن جميعا ، تبرز له صورة داكنة إلى حد ما في الفترة الأخيرة. إذ يبدو العالم أحيانا أنه يتصدع ، فالإرهاب يضرب في أوروبا وفي أرجاء أخرى من العالم ، أزمة عملة هنا في مصر ، وأزمة لاجئين في أوروبا – يحدث هذا كله  بينما تتواصل صراعات قاسية في هذه المنطقة لتدخل عاما جديدا.

ومن ثم فإنه ليس مدعاة للدهشة في هذا السياق أن يصبح الاستقرار – وهو ركيزة أى تطور سياسي مستدام - هدفا سياسيا محوريا وأملا منشودا في حد ذاته. لقد وجدت مصر طريقها مرة أخرى إلى الاستقرار في منطقة تضربها القلاقل. لقد شهد العام الماضي في الحقيقة ومنذ احتفالنا بعيدنا القومي الماضي عدة تطورات أهنئ الشعب المصري عليها. وبعد فترة انقطاع طويلة أصبح لمصر مرة أخرى برلمان منتخب يضطلع بمسؤولياته ويحتفل بمرور مائة وخمسين عاما على وجوده ، أهنئكم على ذلك. شرعت مصر منذ عام ٢٠١٣ في تنفيذ مشاريع عملاقة على المستوى القومي. وفي المجال الاقتصادي أدخلت مصر مؤخرا ضريبة القيمة المضافة ، وانتهت من إصدار قانون جديد للخدمة المدنية وخفضت دعم الطاقة تخفيضا مهما – أمثلة ثلاثة لا غنى عن ذكرها.

وبرغم ذلك ، وبينما كان إعادة التئام البرلمان يتضمن شكليا عنصرا من عناصر خارطة الطريق التي التزمت بها مصر بعد عام ٢٠١٣ ، إلا أن الحقائق الاقتصادية قد تكشفت بوضوح أكثر فأكثر على مدار الأشهر لتنبئ – شئنا أم أبينا - بأن مسيرة التحول الحقيقية في مصر قد بدأت لتوها. إن مستقبل مصر يتشكل الآن.

ومما لا شك فيه أن ما يراه المراقبون الدبلوماسيون والمحللون السياسيون من الناحية المهنية مثيرا في هذ الآونة ، يطرح عددا من التحديات على مصر وعلى شعبها تحديدا ، فالناس يشعرون بتأثيرات الوضع السياسي ، والحكومة بصدد التفاوض مع صندوق النقد الدولي بشأن حزمة من القروض سوف تتضمن القيام بإجراءات على المدى القصير وإدخال إصلاحات هيكلية أساسية. وعليه فلن تكون الفترة القادمة فترة يسيرة بكل تأكيد. لكنه لا غنى عن الإصلاحات الهيكلية إذا كانت مصر مستعدة لكى تمنح بناتها وأبناءها مستقبلا كريما ، وليس لدى أدنى شك في توافر هذه الإرادة. إن هذه العملية – إذا ما قدر لها أن تدار على النحو الصحيح مصحوبة بالإجراءات الصحيحة ومشفوعة بتأييد الشعب ومن أجل الشعب – سوف تؤدي إلى مزيد من الثقة في الاقتصاد المصري ، وإلى مزيد من الفرص أمام المستثمرين المصريين والأجانب وإلى تقوية القطاع الخاص ، ومن ثم فسوف تؤدي إلى خلق المزيد والمزيد من فرص العمل تحتاج إليها مصر لمواجهة الزيادة السكانية السريعة. فلنتصور أن مصر في العشر سنوات المقبلة سوف يزداد عدد سكانها من عشرين إلى خمسة وعشرين مليون نسمة ، وجميعهم في حاجة إلى مأكل ورعاية صحية وطاقة وتوظيف!


إن ألمانيا لهي فخورة بأن تقف إلى جانب مصر على مدار الأشهر والسنوات المقبلة ، وقد اخترنا الليلة قطاع الطاقة لنستعرض من خلاله تعاوننا المكثف.
تعتمد كل من ألمانيا ومصر على الكهرباء ، على التدفئة وعلى حركية شعبيهما واقتصاداته. ولكن ارتفاع تكلفة انتاج الطاقة – وهذا أمر بديهي سواء اتفق الناس أو اختلفوا عبر العقود - أصبح هذا الشأن موضع جدل شديد في ألمانيا ، كما هو الحال في مصر.

لقد أطلقت الحكومة الألمانية مبادرة للتحول في مجال الطاقة ، تبتعد بها عن مصادر الوقود الأحفوري التقليدية متوجهة إلى مجال الطاقات المتجددة. وقد لفت هذا التحول الأنظار على الصعيد الدولي تحت مصطلح غير قابل للترجمة ، وهو مصطلح "Energiewende" ، وهو يعني في الأساس "الثورة في مجال الطاقة". ونحن ننتهز هذه الفرصة لنقدم بعض الأفكار الأساسية في إطار معرض صغير مقام في قاعة الاستقبال الرئيسية بمنزلي ، هناك!

السيدات والسادة ،

تشتهر ألمانيا بتكنولوجياتها الحديثة وأبحاثها العلمية في مجال الطاقة ، لكن الشمس لا تسطع فيها كثيرا. وما يجذب الكثير من السياح كل عام إلى مصر – وأتمنى أن تعاود السياحة نشاطها مرة أخرى في هذا الموسم الشتوي – هو أيضا ميزة كبيرة تتمتع بها مصر وتتفوق بها على ألمانيا فيما يتعلق بإمداد الطاقة: إن قدرات مصر في مجال الطاقة المتجددة غير محدودة. وهنا لا يعول من الناحية العملية على طول فترات سطوع الشمس يوميا فحسب ، بل وتمتلك مصر بمحاذاة خليج السويس بعضا من أفضل الظروف بالنسبة لانسياب الرياح على مستوى العالم لتكمل المنظومة واسعة النطاق في مصر فيما يتعلق بمصادر الطاقة المتاحة.

إن تعاوننا مع مصر في مجال الطاقة يمتد عقودا إلى الوراء ، أما اليوم فقد أصبح هذا التعاون متنوعا: فصار يضم صناع القرار السياسي والمستثمرين ورجال الأعمال والعلماء والمجتمع المدني ، ويرتكز على قاعدة عريضة من الأنشطة.

وفيما يتعلق بالتعاون التنموي بيننا ، فنحن فخورون بتبوء موقع الصدارة والريادة في مجال طاقة الرياح ، إذ أن الحكومة الألمانية تساهم في تمويل أكبر مزرعة رياح في أفريقيا بمحاذاة خليج السويس هنا في مصر. عندما تأخذ الطريق الساحلي في اتجاه الجنوب فسوف تمر بمزرعة الرياح في الزعفرانة والثانية في خليج الزيت ، وقريبا جدا سوف تضاف مزرعة رياح ثالثة بالتعاون مع شركاء أوربيين آخرين.

ونحن الآن بصدد المشاركة في تجديد توربينات السد العالي بأسوان ، كما قطعنا على أنفسنا التزامات تمويلية جديدة لدعم تطوير قطاع الطاقة الشمسية وتحسين كفاءة الطاقة لهذا العام. وتعتبر "اللجنة المشتركة للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة" (وتعرف اختصارا بــ JCEE) معلما من معالم التعاون يمكننا من توفير الخبرات الفنية لشركائنا بمرونة في مجال تخطيط سياسة الطاقة. إن هذه اللجنة حاضرة الليلة لتعرض أنشطتها.

من اللافت للنظر تزايد وتيرة دخول القطاع الخاص إلى مجال الطاقة ، إذ أن مصر الآن بصدد تمهيد الطريق أمام المستثمرين في مجال الطاقة ، وتشكل تعريفة التغذية نقطة الانطلاق في ذلك. لقد تفوقت شركة سيمنس ، بكل تأكيد ، على نفسها بإسهاماتها المؤثرة في سوق الطاقة المصري. وهناك العديد والعديد من الشركات الألمانية ، تحديدا تلك الكثرة من الشركات الأصغر التي تتبوأ مركز الريادة عالميا في مجال تخصصها ، وهي الشركات المعروفة لدينا تحت مسمى "Mittelstand" (الطبقة الوسطى) المتشوقة إلى الاستثمار في مصر. فالاهتمام كبير ، ونحن نراهن على قيام مصر بتهيئة الظروف المناسبة لتشجيع الاستثمارات التي تحتاجها في القريب العاجل. وتقوم الغرفة العربية الألمانية للصناعة والتجارة ، ومقرها القاهرة ، بدعم تلك الشركات.

يشكل موضوع الطاقة والمناخ محورا من محاور التعاون العلمي بين البلدين ، ويضم المركز الألماني للعلوم هنا في الزمالك تحت لوائه عددا من الجامعات والمعاهد البحثية الألمانية التي تقوم على توطيد الروابط العلمية بين البلدين. وقد تجلى هذا التعاون في المنتدى الشهري الذي نعقده بصفة منتظمة والمعروف باسم "محادثات القاهرة حول المناخ".

إن هذا التعاون المتنوع لا يخدم مصالحنا المشتركة فحسب ، بل ويخدم مصلحة أشمل وأعم: فمنذ انعقاد قمة المناخ العالمي COP 21 في باريس ، أصبح التغير المناخي يحتل موقعا متقدما على الأجنده أكثر من أى وقت مضى. إن اتفاقية باريس وكل التوقيعات التي توضع عليها الان تبرهن على أنها تمثل اختراقا ونجاحا علينا أن نملأه بالحياة. إن مصر وألمانيا تسهمان معا في ذلك.

السيدات والسادة ،

إن شعار الليلة - "الطاقة من أجل المستقبل" – يمكن أن ينظر إليه أيضا على أنه استعاره مجازية لكل التحديات التي يتعين على مصر أن تواجهها في هذه الأيام. وفي إطار هذه الجهود يتعين على مصر أن تعتمد على إدارة نشطة وبرلمان نشط وقطاع خاص ومجتمع مدني وعلماء أكاديميين ، وبكل تأكيد شركاء دوليين نشطين.

لقد سعدت ألمانيا ومصر بإجراء حوار سياسي مثمر على مدار العام الماضي على جميع الأصعدة وصولا إلى القمة ، واسمحوا لي أن أذكر بعض الأمثلة على اللقاءات رفيعة المستوى التي جرت حتى الآن: شهد عام ٢٠١٦ زيارة نائب المستشارة الاتحادية ووزير الاقتصاد ، زيجمار جابرييل ، إلى مصر ، وذلك للمرة الثالثة في غضون فترة زمنية قصيرة. كما زار كل من نائب رئيس البرلمان الاتحادي الألماني ووزير داخليتنا مصر وأجريا محادثات مكثفة ، ووقع وزيرا داخلية البلدين في برلين اتفاقية مهمة في مجال التعاون الأمني. كما شهد عام ٢٠١٦ الاجتماع الأول للجنة المشتركة للتعاون التنموي في شهر يونيو الماضي على المستوى الوزاري ، وتضمن هذا اللقاء زيارة وزيرة التعاون الدولي سحر نصر ووزير الصناعة والتجارة طارق قابيل إلى برلين. وقبل ثلاثة أسابيع التقى الرئيس السيسي مجددا المستشارة الاتحادية ميركل على هامش قمة العشرين التي انعقدت في الصين.

هناك أيضا مقوم آخر من مقومات الاستقرار بعيد المدى: مجتمع مدني حيوي يكون قادرا على التقدم وامتلاك وقيادة التطور الاجتماعي  وكذلك السياسي والاقتصادي والثقافي. إن المجتمع المدني يسهم إسهاما لا غنى عنه في تطور أى بلد. وبدون المجتمع المدني لا يتوافر استقرار على المدى البعيد. ولا يخفى على أحد أن حرية المجتمع المدني في العمل والحضور بين الناس يشكل أهمية قصوى بالنسبة لنا. إن أهمية وجود مجتمع مدني قوي تعيدنا مرة أخرى إلى مناسبة الليلة: إن توحيد ألمانيا كان مطلبا للألمان الشرقيين الذي دفعوا باتجاه الحرية بعد عقود من القمع الشيوعي. لم تكن إجابتهم "لا". لقد تحققت الوحدة الألمانية بفضل جهود ساسة شجعان على الصعيد الوطني والدولي الذين التقطوا اللحظة التاريخية لتشكيل مستقبل سلمي لبلدنا ولكل بلدان أوروبا.

السيدات والسادة ،

إنه لمن دواعي سروري أن يزور حديقتنا اليوم هذا اللفيف الكبير من الضيوف  للاحتفال بهذه المناسبة الفريدة ، للاحتفال بعيدنا القومي.

إن الجالية الألمانية في مصر كبيرة ومتنوعة تضم هؤلاء الذي أتوا إلى هنا لبضع سنوات للعمل في إحدى الشركات الألمانية المتعددة العاملة في مصر أو في إحدى المؤسسات الرسمية الألمانية الممثلة هنا في مصر. كما تضم هذه الجالية أولئك الذين يعيشون هنا منذ زمن طويل وقد طبعوا حياة هذه الجالية بطابعهم ، سواء في المدارس الألمانية أو الطوائف الدينية الألمانية ، أو في مجال الآثار أو السياحة أو في بيت البحارة الألمان وفي غيرها من المؤسسات.

أشكركم على جهودكم اليومية المخلصة وعلى أدائكم من أجل بلادكم وعلى قيامكم بنقل صورة حديثة عن ألمانيا. إن السفارة والحكومة الألمانية يقدران جهودكم وإسهاماتكم تقديرا كبيرا ، أينما وكيفما كان أداؤكم. وأؤكد لكم أنكم تستطيعون أن تعولوا على دعمنا المفعم بالطاقة والنشاط عند اقتضاء الضرورة.

السيدات والسادة ،

لم يكن يتسنى إقامة هذا الحفل دون دعم كريم من الرعاة الرسميين له ، وهنا أخص بالشكر الشركتين الألمانيتين الرائدتين ، شركة سيمنس وشركة أليانز. تعمل شركة سيمنس في مصر منذ عام ١٩٠١ لمدة ١١٥ عاما ، وتقوم ببناء محطات كهرباء تدار بالغاز سوف تمد مصر بخمسة عشر ضعفا من الكهرباء المولدة من محطة نووية تقليدية.

إن شكرة أليانز الألمانية هي أكبر شركة تأمين على مستوى العالم ، وهي تعتبر في مصر أكبر شركة تأمين أجنبية وثاني أكبر شركة تأمين. وبشرائها شركة "بيمكو أليانز" أصبحت الشركة أكبر مستثمر في السندات على مستوى العالم.

كما أود أن أشكر فريق كورال ما يسمى بــ "مبادرة الشراكة المدرسية" (PASCH) ، يتشكل هذا الفريق من طلاب مدارس مختلفة تنتمي إلى "مبادرة الشراكة المدرسية من أجل المستقبل" ، حيث تضم هذه المبادرة تحت لوائها ثلاثين مدرسة مصرية مدعومة من ألمانيا ، وتشكل فيها اللغة الألمانية والثقافة الألمانية جزءا رئيسيا من مناهجها. كما اود أن أتقدم بالشكر إلى كل من ساهم في دعم حفل الليلة بإسهاماتهم المتنوعة والنشطة.

دعوني أشكركم مرة أخرى على مشاركتنا حفل الليلة ، وأتمنى بشدة أن تستمتعوا وأن تستنفذوا طاقتكم معنا الليلة. كما أود أنا وفريقي أن نحفزكم على مشاهدة العرض التالي المقدم من فرقة "DJ Abu Ashley" المقيم في برلين ، وهو واحد من أكثر العروض العالمية شهرة في مجال الموسيقى الالكترونية ، يصاحب هذه الموسيقى عرض مرئي للفنانة "مارتا بالا" من برلين أيضا. وقد أنتجت هذه المجموعة فيديو خصيصا لهذه الأمسية ، فلتستمعوا بالعرض!

شكرا جزيلا



كلمة السفير الألماني بمناسبة الاحتفال بعيد الوحدة الألمانية

يوليوس جيورج لوي سفير ألمانيا بالقاهرة